جلال الدين السيوطي
70
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
ونقضا لهما ، وكتاب المشكل أملاه ، وبلغ فيه إلى « طه » وما أتمّه ، وقد أملاه سنين كثيرة . وقال أحمد بن يوسف الأصبهانيّ : رأيت النبيّ ( صلّى اللّه عليه وسلم ) في المنام ، فقلت : يا رسول الله ، عمّن آخذ علم القرآن ؟ فقال : عن أبي بكر بن الأنباريّ . وقال محمد بن جعفر التميميّ : أما أبو بكر بن الأنباريّ فما رأينا أحفظ منه ، ولا أغزر بحرا من علمه . قال : وكان أحفظ الناس للغة وشعر وتفسير وقرآن . حدّث أنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا من تفاسير القرآن بأسانيدها . وقال أبو العباس بن يونس : كان آية من آيات الله تعالى في الحفظ . وقال أبو الحسن الدار قطنيّ : حضرت أبا بكر بن الأنباريّ في مجلس إملائه بعصر جمعة ، فصحّف اسما أورده في إسناد حديث : أما كان حيّان ، فقال : حبّان أو حبّان فقال حيّان . قال أبو الحسن : فأعظمته أن ينقل عن مثله في فضله وجلالته وهم ، وهبته أن أوقفه على ذلك ، فلما انقضى الإملاء تقدّمت إلى المستملي ، وذكرت له وهمه ، وعرّفته صواب القول فيه ، وانصرفت ، ثم حضرت الجمعة التالية ، فقال أبو بكر للمستملي : عرّف جماعة الحاضرين أنّا صحّفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية ، ونبّهنا ذلك الشابّ على الصواب ، وهو كذا ، وعرّف ذلك الشابّ أنّا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال . ويحكى أنّ أبا بكر بن الأنباريّ قال في اسم الشمس بوح بالباء بنقطة من تحت ، فردّ عليه أبو عمر الزاهد ، وقال : إنما هي يوح بالياء بنقطتين من تحت ، كذا سمعته من أبي العباس ثعلب . والصحيح ما قال أبو عمر والعالم من عدّت سقطاته . ويحكى أنّ أبا بكر بن الأنباريّ مرض ، فدخل عليه أصحابه يعودونه ، فرأوا من انزعاج والده وقلقه عليه أمرا عظيما ، فطيّبوا نفسه ، ورجوه عافية أبي بكر ، فقال : كيف لا أنزعج وأقلق لعلّة من يحفظ جميع ما ترون ، وأشار إلى خزانة مملوءة كتبا . ويحكى أنّ أبا بكر بن الأنباريّ حضر مع جماعة من العدول ليشهدوا على إقرار